محمد جمال الدين القاسمي

264

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال في الآية : لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك ، ولكن انتظروا فإن نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه . قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل . إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان ، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة . الثاني - قال ابن كثير : ظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته . فالأولى الإعراض عنها وتركها . وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 1 » عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه : لا يبلغني أحد عن أحد شيئا . فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر . ورواه أبو داود « 2 » والترمذي « 3 » . الثالث - قال الإمام ابن القيّم في ( أعلام الموقعين ) : لم ينقطع حكم هذه الآية . بل لا ينبغي للعبد أن يتعرّض للسؤال عمّا إن بدا له ساءه . بل يستعفي ما أمكنه ، ويأخذ بعفو الله . ومن هاهنا قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : يا صاحب الميزاب ! لا تخبرنا . لمّا سأله عن رفيقه عن مائه : أطاهر أم لا ؟ وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره فلعلّه يسوءه إن أبدي له . فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله . فإنه سبحانه يكره إبداءها ، ولذلك سكت عنها . وما ذكره من التعميم هو باعتبار ظاهرها . وأما المقصود أولا وبالذات - كما يفيده تتمتها - فهو النهي عن السؤال بما يسوء إبداؤه في زمن الوحي . ويدل له ، ما رواه البخاريّ « 4 » عن سعد بن أبي وقاص : أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : إنّ أعظم المسلمين جرما ، من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته . فإن مثل ذلك قد أمن وقوعه .

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 1 / 396 والحديث رقم 3759 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الأدب ، 28 - باب في رفع الحديث من المجلس ، حديث رقم 4860 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في : المناقب ، 63 - باب فضل أزواج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . ( 4 ) أخرجه البخاري في : الاعتصام بالكتاب والسنة ، 3 - باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه ، حديث 2586 .